أحمد زكي صفوت

182

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

38 - خطبة أخرى قال الطبري : وقام أيضا فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « إن اللّه عزّ وجلّ لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه ، فأريدوا اللّه بأعمالكم ، واعلموا أن ما أخلصتم للّه من أعمالكم فطاعة أتيتموها ، وحظ ظفرتم به ، وضرائب أديتموها ، وسلف قدمتموه ، من أيام فانية لأخرى باقية ، لحين فقركم وحاجتكم ، اعتبروا عباد اللّه بمن مات منكم ، وتفكروا فيمن كان قبلكم . أين كانوا أمس ؟ وأين هم اليوم ؟ أين الجبارون ؟ وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب ؟ قد تضعضع بهم الدهر ، وصاروا رميما ، قد تركت عليهم القالات « 1 » الخبيثات ، وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ، وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها ؟ قد بعدوا ، ونسي ذكرهم ، وصاروا كلا شيء ، ألا وإن اللّه قد أبقى عليهم التّبعات ، وقطع عنهم الشهوات ، ومضوا والأعمال أعمالهم ، والدنيا دنيا غيرهم ، وبقينا خلفا من بعدهم ، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا ، وإن اغتررنا كنا مثلهم ، أين الوضاء « 2 » الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ؟ صاروا ترابا ، وصار ما فرّطوا فيه حسرة عليهم ، أين الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيب ؟ قد تركوها لمن خلفهم ، فتلك مساكنهم خاوية ، وهم في ظلمات القبور ، هل تحس منهم من أحد ، أو تسمع لهم ركزا « 3 » ؟ أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم ؟ قد انتهت بهم آجالهم ، فوردوا على ما قدّموا ، فحلّوا عليه ، وأقاموا للشّقوة وللسعادة فيما بعد الموت ،

--> ( 1 ) القول : في الخير ، والقال والقيل والقالة : في الشر . ( 2 ) الوضاء جمع وضيء : وهو الحسن والنظيف ، وهو أيضا وضاء بضم الواو وتشديد الضاد ، وجمعه وضاءون . ( 3 ) الصوت الخفي .